منتديات أبودليق
أخي الحبـيب ... الزائر الكريم ... حبابك عشرة بلا كشرة تفضـل بـدخـول دارك فعز الله مقدارك ولك من إدارة المنتدى ومن كل أهل أبودليق الطيبين التحية والتقدير فأنت من تساهم برفعة أبودليق والإعلاء من شأنها نتمنى لك وقتا سعـيداً بين أهلك وأخوانك ــ تفضل بالدخول ــ فلا تنسى نطق الشهادتين والصلاة على النبي :
(( لا إله إلا الله محمد رسول الله ))
(اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم)

نص كامل مكتوب للمجموعة القصصية (بندر شاه ـ مريود) ـ الطيب صالح

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

نص كامل مكتوب للمجموعة القصصية (بندر شاه ـ مريود) ـ الطيب صالح

مُساهمة من طرف أحمد حيدوب في الخميس 13 أكتوبر 2016 - 12:43




إخواني وأخواتي

يطيب لي أن أقوم بوضع هذه الرواية العالمية الجميلة
لأديبنا العالمي الراحل المقيم / الطيب صالح
حيث أنني قمت بإعادة طباعتها ووضها بعد ذلك
في هذا البوست كنص مكتوب ، حيث أن جميع النسخ الموجودة على الشبكة العنكبوتية
كلها من الملفات الصورية الـ PDF حيث أن بعض من الاخوة الأعضاء يجدون صعوبة
في تحميلها وأن بعض المنتديات تلزمك بضرورة التسجيل في المنتدى قبل تحميل الرواية
ويعاني أيضاً الأعضاء بعد التحميل من تشفير البيانات لإكمال التحميل ، هذا بالإضافة
إلى أنها غير واضحة ومن الطبعات القديمة .
وقد قمت بوضعها حسب الترقيم الموجود بالنسخة الأصلية

آمل أن يستفيد منها الجميع

رواية
بندر شاه مريود


هي الجزء الثاني من سلسلة بندر شاه الروائية ، قصة قصيرة تعبر عن الحب والأحلام من خلال شخصيات الكاتب التي أبدعها في الرواية مثل مريود ومريوم وود رواس وحسن العبد والشيخ نصر الله ، كما أنه يتناول حياة القرية المتمثلة في ود حامد ووصف للريف السوداني بتفاصيله بحبكة روائية مبدعة.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(5)ـ




#####@@@@@#####
الصفحة ـ(7)ـ




#####@@@@@#####
الصفحة ـ(9)ـ


فالتمست للإنسان مثلاً، فإذا مثله مثل رجلٍ نجا من خوف فيلٍ هائجٍ إلى بئرٍ، فتدلى فيها، وتعلق بغصنين كانا على سمائها، فوقعت رجلاه على شيءٍ في طي البئر. فإذا حياتٌ أربع قد أخرجن رءوسهن من أحجارهن، ثم نظر فإذا في قاع البئر تنين فاتح فاه منتظر له ليقع فيأخذه؛ فرفع بصره إلى الغصنين فإذا في أصلهما جرذان أسود وأبيض، وهما يقرضان الغصنين دائبين لا يفتران، فبينما هو في النظر لأمره والاهتمام لنفسه، إذا أبصر قريباً منه كوارةً فيها عسل نحلٍ؛ فذاق العسل، فشغلته حلاوته وألهته لذته عن الفكرة في شيءٍ من أمره، وأن يلتمس الخلاص لنفسه؛ ولم يذكر أن رجليه على حياتٍ أربعٍ لا يدري متى يقع عليهن؛ ولم يذكر أن الجرذين دائبان في قطع الغصنين؛ ومتى انقطعا وقع على التنين. فلم يزل لاهياً غافلاً مشغولاً بتلك الحلاوة حتى سقط في فم التنين فهلك. فشبهت بالبئر الدنيا المملوءة آفاتٍ وشروراً، ومخافاتٍ

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(10)ـ


وعاهاتٍ؛ وشبهت بالحيات الأربع الأخلاط الأربعة التي في البدن: فإنها متى هاجت أو أحدها كانت كحمة الأفاعي والسم المميت؛ وشبهت بالجرذين الأسود والأبيض الليل والنهار اللذين هما دائبان في إفناء الأجل؛ وشبهت بالتنين المصير الذي لا بد منه؛ وشبهت بالعسل هذه الحلاوة القليلة التي ينال منها الإنسان فيطعم ويسمع ويشم ويلمس، ويتشاغل عن نفسه، ويلهو عن شأنه، ويصد عن سبيل قصده. فحينئذٍ صار أمري إلى الرضا بحالي وإصلاح ما استطعت إصلاحه من عملي: لعلي أصادف باقي أيامي زماناً أصيب فيه دليلاً على هداي، وسلطاناً على نفسي، وقواماً لأمري، فأقمت على هذه الحال وانتسخت كتباً كثيرةً؛ وانصرفت من بلاد الهند، وقد نسخت هذا الكتاب.

كليلة ودمنة
من باب برزويه المتطبب

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(11)ـ


ملأ صدره بالهواء ، وترك وجهه يغتسل بنسيم الفجر . لكن روحه لم تنتعش . تريث قبل أن ينحدر في الأرض المسواة الممتدة ، وراءها غابات النخل ، ووراء ذلك النهر ، يلوح هنا وهنا بين فرجات الشجر . المنظر ، كأن محيميد يراه آخر مرة . وجهه متوتر كأنه يقاوم رغبة جارفة بالبكاء . أنظر يميناً . هناك . أين غابة الطلح الكثة التي كانوا يلعبون فيها أيام الطفولة ؟ رائحة البرم ، زهر الطلح ، خصوصاً أيام الفيضان . وهناك عند منعطف الدرب حذاء الجدول الكبير كانت تشمخ شجرة حراز ضخمة معرشة ، تلمع ثمارها الصفراء كأنها حلقان الذهب . ذلك الماء كان له طعم آخر . بلا غطاء ، ذلك السبيل ، عليه قرعة تتأرجح فوق الماء ، تضرب فم الزير يسرة ويمنة ، يشرب منه الغادي والرائح . من أقامه ؟ لا أحد يذكر . ولكنه لم يعدم أحدا يملأه صباح مساء . طعم الجلد المدبوغ ، طعم الماء في القربة المدلاه من الشعب في سقيفة جده.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(12)ـ


وطعم ماء النيل أيام الفيضان ، طعم الأخشاب المبتلة ، وأوراق الشجر ، والطين . طعم الموت . صافي في أماكن الرمل ، عكر في محلات الطين .
عصارة الحياة كلها في ود حامد . مشدد قبضته على المقبض العاجي ، مقبض عصى الأبنوس ، ومضى بعزم يضعف ويقوى . غريبة تلك العصا ، الآن ، كأنها أمرأة عارية وسط رجال. يحس ملمسها ويتذكر مريم . ذلك الصوت . ذلك الشباب . ذلك الحلم . يخرج من داره كل يوم عند الفجر ، ويمشي هذا المشوار حتى النهر . يسبح ويعود مع الشروق . يحاول أن يوقظ الأشباح النائمة في روحه . أحيانا الحظ يؤاتيه ، فيسمع ويرى . الرؤى والأصوات كأنها تنبع من تحت قدميه وع خبط عصاه على الدرب . هنا كان مكان النورج أيام الحصاد . رائحة التبن . رائحة القمح . رائحة روث البقر . رائحة اللبن أول ما يحلب . رائحة النعناع . رائحة الليمون .
محجوب وعبد الحفيظ والطاهر وهو . يغمض عينيه . يراهم كما كانوا . متحركين أبدا ، يجرون ، يقفزون ، يتشعلقون ، ينطون من الفرح ، يتمرغون في الرمل ، يعيشون مثل الماء والهواء . ينقر بعصاه على جذع شجرة . يسمع

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(13)ـ


ضحكة جده . يرة وجها ضاحكا . العينان الصغيرتان الغائرتان. الحنك الناتئ قليلا . الجبهة البارزة . الخدان المعصوصان . الفم الصغير . الشفتان الرقيقتان . وجه أسود ، ناعم السواد مثل القطيفة ، وعينان تزرقان وتخضران حسب الظروف والأحوال . لا يتخيله مفردا أبدا . دائما يراه في جماعة ، على يمينه مختار ود حسب الرسول ، وعلى يساره حمد ود حليمة ، في وسط الجمع . يتذكره الآن بخليط من الحزن والحقد . لقد إختاره دون سائر أبنائه ليكون ظلا له على الأرض ، وخلف له الدار وفروة الصلاة وإبريق النحاس ومسبحة من خشب الصندل ، وهذه العصا . ماذا تعكس المرآه الآن كان قد إجتاز الدرب الكبير المؤدي إلى السوق . رأى النخلة عند تقاطع الدروب فقصدها بلا تفكير . تهالك عندها وأسند قامته إلى جذعها . كانا مثل أخوين توأمين ، كأنهما أقتسما حصيلة أعمارهما بالتساوي ، فلا هو يصغر جده ، ولا الجد يصغر حفيده . ما كان أعجب ذلك ! يتسابقان ويصلان معا كتفا بكتف . يشركان للطير معاً ، ويصطادان السمك ، ويتباريان في تسلق مستعصيات النخل . يتصارعان ، يوما له ويوما عليه . يدخلان حلقة الرقص معا فلا

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(14)ـ


يثبت أمامهما راقص أو مصفق ، وترقص الفتاة بين الجد وحفيده في دائرة جذب مغنطيسي مدمر . تكثف الحلقة ، ويشتد التصفيق ، وتتأرجح الراقصة ، كأنها مشدودة بخيوط غير مرئية ، بين قطبي البوصلة ، ترمي شعرها المعطر على وجه الماضي مرة وعلى وجه المستقبل مرة . يقتسمان الغنيمة فيما بينهما لا غالب ولا مغلوب . تلمع عيونهما ويزعقان ، بطيران في الهواء ويحطان مثل نسرين جارحين . ماكان أعجبه منظراً . لكن الحفيد في ذلك الصباح ، ذهب أبعد ، ولعل صوت الجد في تلك اللحظة ، كما يتخيل محيميد الآن ، لم يخل من رنة غيرة . حينئذٍ أحس نحوه بكراهية مريرة ، ولو أن القارب إنقلب بهم وغرق لما مد الحفيد في تلك اللحظة يدا لمساعدته . لقد تقفى أثره خطوة خطوة ، وصار مثله ، حذوك النعل بالنعل . كانت الفكرة تخطر لجده ، فإذا هي قد خطرت له في عين اللحظة ، ويقول أحدهما الجملة فيكملها الآخر ، ويتقاصصان أحلامهما فإذا هي تنبع من مصدر واحد . كان في نظره أشجع الناس وأكرم الناس وأذكى الناس وأكثرهم حكمة وهيبة . وكان أبوه أصغر الأبناء ، وأكثرهم خيبة أمل لأبيه وأكثرهم تعرضاً لسخريته. وكان الإبن الأكبر ، عبد لكريم

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(15)ـ


أسطورة قائمة بذاتها قبل أن يظهر الحفيد . هو الذي سافر بالجمال محملة بالتمر إلى ديار الكبابيش ، وعاد يسوق أمامه قطعان الإبل والضأن . هو الذي جلب البضائع م حدود الريف وبلاد تقلي والفرتيت . هو الذي أضاف أرضاً إلى الأرض ، وبيوتا إلى البيوت ، وعمارة إلى العمارة . هو الذي أقام الديوان الكبير ، وجاء لأبيه بإبريق النحاس ذي النقوش ، ومسبحة الصندل ، وعصى الأبنوس ، وفروة الصلاة المعمولة من جلود ثلاثة نمور . كانا في الديوان وقت القيلولة حين جاء بنبا طلاقه وزواجه . قال لعمه نيابة عن جده إنه رجل باطل ، كل همه الجري وراء النساء . كان دون الخامسة عشرة وعمه في الأربعين . تضاربا والجد مستلق على سريره لا يقول شيئاً ، وكان الإبن يضرب أباه . بعد ذلك ذهب ولم يعد . وانفضوا كلهم واحدا واحداً . ولما مات الأب لم يحضره واحدا من أبنائه . وكان الحفيد قد ذهب أبعد ، فوصل بعد فوات الأوان . ما كان أعجب ذلك .
طغت خشخشة الجريد اليابس على الأصوات في خياله فانتبه . أصغى لجريدة النخلة في هبوب الريح مثل هيكل عظمي في أكفانه . شاخت الآن ، تلك النخلة كما شاخ هو ،

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(16)ـ


وقد كانت في شبابها تثمر أبكر وتعطي أكثر ، من تمر السكوت العزيز ، زرعها بيديه منذ أربعين عاما ، وأطلق إسمها على مريم " القنديل " تسميه مريود ويسميها مريوم . رف طيف الصبا مثل برق في أفق بعيد ، وأحس للحظة عابرة ، مذاق الثمر ، ونهد مريم يضغط على صدره وهما متماسكان في الماء . كان ثغرها مثل برق يشيل ويحط . ينتظرانها هو ومحجوب خارج الحي في الصباح . ومعهما الجلباب والعمة والحذاء ، وما تلبس مريم أن تخلع هذا وتكتسي هذا فتتحول من بنت إلى ولد . كانت تتعام كأنها كانت تتذكر أشياء كانت تعرفها من زمن . ثلاثة أعوام والخدعة لم تنكشف . لم يتركوا حيلة لم يلجأوا إليها . ثم فارت الطبيعة فورتها ، وأخذ جسم مريم يذعن لنداء الحياة الأعمق . وذات يوم إستقرت عينا الناظر عليها وهي مدبرة عنه في حوش المدرسة . اعترفت في الحال كأنها كانت قد سئمت اللعبة . غضب أول الأمر ، ثم لاحت له وجوه الطرافة في الموضوع ، فأسرع إلى حاج عبدالصمد وعلي ود الشايب وبين يوم وليلة ، تحولت مريم ، تحت سلطان تيارات الطبيعة التي لا تقاوم إلى مخلوق آخر . أصبحت تغض طرفها ، وتتريث في مشيها ، وتخفض صوتها في الحديث ، ولم تعد

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(17)ـ


تسبح معهم في النهر أو تلعب أو تعمل في الحقل . تحولت مريم بين عشية وضحاها بفعل مؤامرة الطيبعة والعرف الإجتماعي ، إلى أنثى وحسب . وكذلك حدث إنفجار في وجدان محيميد ، بدأ وضعه إذا مريم يتضح ويتحدد ، وأدرك أنها هي الإمتداد الطبيعي لوجوده ، وانها هي التي تعطيه إحساسه بنفسه وبموضعه في نظام الأشياء . يومذاك بدأ يتراجع عن الدور الذي كان جده يهيئه له ، وكان عليه أن يحارب بسلاحه هو ، فحارب بسلاح جده ، وانهزم ، وذهب ولم يعد إلا بعد أن غنتهى كل شيء . في تلك العشية ، حين حمل جثمان مريم في ذراعيه ، كان كأنه يعود القهقري إلى نقطة البدء ، حين كانت الإحتمالات جميعها قائمة . هل كان الطريفي يدرك ، وهو ينوح على حافة القبر ، أي ثمن باهظ يدفعه الإنسان حتى تتضح له حقيقة نفسه وحقيقة الأشياء ؟ هل يقوى على دفع الثمن ؟ هو ، محيميد قد دفع الثمن وأكثر . كل سبر في هذه الأرض التي أحبها ثم تنكر لها ، يشهد أنه قد دفع الثمن وأكثر .
هن هب واقفا بعزم ، أعضاؤه بعضها يأخذ بتلابيب بعض ، والألم في قلبه أعظم كثيرا من الألم في مفاصله

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(18)ـ


وظهره وساقيه . خطا خطوة واحدة ، ثم ألتفت كمن يريد أن يقول كلمة أخيره . رفع رأسه إلى جريد النخلة اليابس . نعم إنها شاخت كما شاخ ، وشعرها سقط كما سقط شعره . نقر جذعها برفق بعصاه كأنه يواسيها ، وحياها مودعا بصوت مسموع . لا عجب فهي تعلم سره ونجواه . بعدها ظهر يضرب على الدرب حاملا يأسه صوب النهر .
راى ضوءاً خافتا على الضفة الأخرى ولم يكن ثمة صوت إلا تلاثغ الأمواج الصغيرة تتراكض عند قدميه . لا . ثمة صوت آخر . ذلك الأزيز الذي يصدر من النهر . أحيانا وهو يسبح ، يحس أنه لن يبالي إذا غستسلم لذلك النداء . لبث وقتا وهو يرمي الحجارة في الماء كما كان يفعل إذ كان طفلاً ، ويلتفت للأصوات الخافتة التي تصدر هنا وهناك مع تباشير الصباح . سمكة تنط وتغطس ، أو طائر ينتفض في عشه . وفجأة إرتعد جسمه كله كان الموت قد وضع يده الباردة على كتفيه . كاد يستسلم في ذلك الفجر . لم تكن سنه تزيد عن السابعة يوم ألقاه جده في ماء النهر يعلمه السباحة . أخذ يضرب بيديه ورجليه في الماء على غير هدى والجد على مبعده منه يناديه بصوت فيه قسوة " إسبح ، إسبح " كيف

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(19)ـ


يسبح ؟ وأخذ يغطس ويقلع ، وكان طعم ماء النهر طعم الهلاك ، وصوت الجد كأنه صوت قدر أعمى " إسبح . إسبح " لا يدري ماذا حدث ، ولكنه يذكر لذعة شمس الصباح وهو يستيقظ على الشاطئ ويذكر ضحك جده . قال له إنه سبح بالفعل دون معونة ، ليس صوب الجد ولكن صوب الشاطئ ، كأنه تذكر فجأة شيئاً كان قد نسيه ، وقال له إنه سبح مثل التمساح العشاري ، صدره بارز فوق الماء مقدار ذراع . بعد ذلك أخذا يسبحان معا كل صباح ، وفي كل مرة يمعنان أكثر تجاه الشاطئ المقابل . كل صباح كأنه آخر صباح ، وكأن الموت يتربص له على قمة كل موجة . لكنه تعلم كيف يستمرئ ذلك الإحساس بالخوف والترقب والمجازفة ، ولذة الإنتصار على النهر حين تلمس قدماه الأرض في الماء الضحل ، ثم وهو يتمدد على حجرة القيف ويصطاد شعاع الشمس بين جفنيه . وذات صباح كاد ينهزم . قال له جده إن الوقت قد حان ليسبحا إلى الدوامة في منتصف النهر . ارتعد حين قال جده ذلك . كانت الدوامة التي يسمونها " الكونية " ملتقى تيارات رهيبة ، يتجنبها أطول السباحين باعا. إن الموت ولا شك يسكن في تلك البقعة من النهر ، مثل حيوان خرافي

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(20)ـ


مروع ، ومع الخوف بدأ يحس لذة الخطر . ثم تماسك على نفسه وقد وطن نفسه على الخوض في المخاطرة حتى الموت . كان جده ينظر إليه وفي عينيه ذلك البريق . كان وجهه مقنعا بقناع الموت . فيما بعد ، حين كبر ، وأصبح أقدر على الفهم ، أدرك أن الشعور الذي ربط بينه وبين جده في تلك اللحظة ، قبيل الشروق ، على شاطئ النهر ، كان شعورا بالكراهية مثل لهب النار ، ولكن كما يكره الإنسان نفسه . لم يتكلم ، ولكنه قفز في الماء ، وقفز جده ، وأخذا يسبحان معا جنبا إلى جنب ، يفصل بينهما ذراعان أو ثلاثة ، خمسون عاما أو تزيد ، الماضي إزاء المستقبل ، كأنهما قدر واحد . كان ذهنه مرهفا مسيطرا على كل عضلة في جسمه . يذكر برودة الماء قريبا من الشاطئ ، ويذكر جذع نخلة طاف على يساره ، ويذكر غرابا ينعق صوب الشرق . ثم أحس بالماء دافئا وكأن كل خلية في جسمه تسمع وترى . وبدأ حس الدوامة يعلو والنداء يشتد . في برهة لمح وجه مريم وسمع صوتها ينادي " يا مريود . يا مريود " . وأخذ الصوتان يتجاذبانه . وأخذ صوت الدوامة الكونية يعلو حتى طغى على الأصوات كلها . لا يذكر أين كان جده حينئذٍ . إنقطع الحبل الذي كان يربط ما بينهما.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(21)ـ


أصبح وحده إزاء قدر يخصه هو . ثم حملته موجة إلى مركز الفوضى . كأن ألف برق برق ، وألف رعد رعد . ثم ساد صمت ليس كالصمت . أحس كأنه يجلس فوق عرش الفوضى مثل شعاع باهر مدمر . كأنه إله . وكان يريد أن يقتل ويدمر ويشعل حريقا في الكون كله ، ويقف وسط النار ويرقص ويتراقص اللهب حوله . لم يعد مسيطرا على قوى جسمه وحسب ، ولا على قوى النهر وحسب ، بل على كل إحتمالات المستقبل . الخوف جاء بعد ذلك . فتح عينيه كمن يخرج من كابوس ، ورأى أول ما رأى طيف مريم يرف فوقه . نظر فإذا هو قد سبح الشوط كله ، عبر الدوامة ، إلى الشاطئ الآخر . ورأى جده يقفل عائدا حيث أتى . يا الله . إنه فعل المستحيل . بذّ جده . سبح المسافة كلها من الجنوب إلى الشمال . نظر إلى جلد النهر يقشعر وسمع الصوت المرعب ، وأخذ ينتفض خوفا كما يخاف الناس العاديون ، من الجوع والوحدة والموت . جاء جده بقارب وعاد به إلى الشاطئ الجنوبي . كان يجدف ويتكلم ويضحك طول الطريق . سيحكي القصة لحمد ود حليمة ومختار ود حسب الرسول ، وسيقول بزهو كما يقول كل مرة ، محيميد صورة طبق الأصل

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(22)ـ


مني ، الخالق الناطق . لكن الحفيد في ذلك الصباح ذهب ولم يعد . لم يفطر مع جده كما كانت عادتهم كل صباح بعد السباحة . لم يذهب وقت القيلولة ليقرأ له حتى ينام . لم يتعش ويسمر معه كما كان يفعل كل ليلة ، ولم يباكره في الصباح ليشرب معه الشاي ويحكي له أنباء الأعراس التي إرتادها بالليل مع أصدقائه محجوب والطاهر وعبد الحفيظ وسعيد ، والمغامرات والمعابثات والحماقات . وفي اليوم الرابع كان حقده على جده أنه رماه في وجه الموت قد خف ، ولما سمع صوت جده يناديه ، إمتلأ قلبه بالفرح ، وهش وقال نعم . ولعل كل شيء كان سيظل كما هو ، لولا أنه أحب مريم ، وجده قال لا .
فجأة سمع صوت حداء يطفو على وجه الماء ، وينتشر بين الضفتين ، صوتا قويا ممتلئا كأنه صوت الشباب ، قانعا بقسمته . والتفت فإذا قرن الشمس قد ذر ، وإذا بقارب يشق عباب الماء بعزم كأنما خرج من منبع الشروق ، وكأن الغناء العذب يعقد بين عناصر الطبيعة على عدوتي النهر بخيوط من حرير.

ونواصل ...



ودحيدوب




عدل سابقا من قبل أحمد حيدوب في الإثنين 30 يناير 2017 - 12:33 عدل 1 مرات





avatar
أحمد حيدوب
Admin

عدد المساهمات : 1624
تاريخ التسجيل : 06/04/2008
العمر : 49
الموقع : مكة المكرمة ـ السعودية

http://abudeleig.montadalhilal.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نص كامل مكتوب للمجموعة القصصية (بندر شاه ـ مريود) ـ الطيب صالح

مُساهمة من طرف أحمد حيدوب في الخميس 13 أكتوبر 2016 - 14:32



#####@@@@@#####
الصفحة ـ(23)ـ


سعيد عشا البايتات القوي


قال الطاهر ود الرواس وهم على ظهور حميرهم ضحى ، في طريقهم إلى سوق الخميس :
(يومداك انت سألتني سؤال وأنا رديت عليه ، لكن إنت قطع شك ما سمعت الجواب).
أي سؤال؟ وأي جواب؟ ولكن سعيد القانوني كان أسبق. قال من على ظهر حماره " الخندقاوي" الملقب "تاني دور" كأنه يتحدث عن منصبه :
(محيميد مما رجع لي ود حامد وهو يسأل وينشد تقول عاوز يؤلف تواريخ). ضحك سعيد عشا البايتات القوي ، وضحك أحمد أبو البنات ، كان عشا البايتات في طرف الركب ، كأنه على جيش غازي ، بحماره "الكورتاوي"

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(24)ـ


الأسود ذي الغرة على جبينه ، لجامه يشلشل ، والغرة طويلة ذات عبل تكاد تمس الأرض ، وهو بساقيه القصيرين وعسامته الكبيرة وشاربه المبروم كأنه أوزة تجلس على سنام جمل.
قال :
(أنا أديت محيميد كلام يغرفوه بي موازين الذهب والفضة أوعى تنساه ، وقت تجي للكتابة) !
قال أحمد بمرح :
(إنت وين لقيت الكلام يا سجم الرماد؟ كلامك كله خارم بارم).
كان رد سعيد عشا البايتات أنه ضرب الحمارة على عجزها بعصاه الخيزران. لم تكترث ولم تغير سرعتها بل نفضت رأسها في الهواء بصلف. نظر إليها سعيد عشا البايتات بإعجاب، نظرة متفحصة ناقدة، وقال :
(دحين يا أبو البنات الحمارة دي مو بت الحمارة العديلة ديك الجابها جدك من بحري؟).
وقال الطاهر ود الرواس :

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(25)ـ


(المحسية حبوبتها. دي بت بتها. انت الزمن دا كله عميان ولا شنو يا مرمد؟).
وقال سعيد القانوني :
(عشا البايتات معذور. مخه مشغول بي أمور السياسات العليا. دحين هو فاضي كمان عشان يؤكد الحمارة أمها منو وحبوبتها منو؟ والله يا الطاهر انت ماليك حق. دا راجل بقى في زمرة الحكام أجاويد البلد).
وقال الطاهر :
(صدقت والله. د ازول من الكبارات. نحن الليلة اتشرفنا خلاص وقت جنابك زاملتنا للسوق. بعد شوية تشوفوا يا جماعة. أول نصل عند الجميز، يقابلنا الحرس، كركون سلاح، يضربوا لنا تعظيم سلام، عشان جلالة عشا الباياتات).
وقال أحمد :
(صح انت ليه ما تشتري لك عربية بيب (جب) زي الرجال؟ القروش الكثيرة دي داير تخليها لي منو؟
وقال سعيد القانوني :

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(26)ـ


(عربيات الجب إن شاء الله تطير في السماء. أولاد بكري من يوم ما جابوا عربيتهم مسخوا علينا دخول السوق. كل دقيقة وتانية توت توت، عملوا لنا صداع).
هذا الكلام لم يغضب عشا الباياتات. قال، وهو يضحك ضحكته القديمة، وقد أمال عمامته قليلاً إلى الأمام، في زاوية تقول إن سعيد عشا البايتات لا يبالي بأحد.
كانت حوافر الحمير تقعقع في الحصى. محدثة نغماً نشطاً متحفزاً، يتزعمها حمار سعيد في أقصى اليسار، تليه حمارة ود الرواس التي تسير بلا جهد، مثل شخص واثق من مقدرته، ثم حمار سعيد القانوني وحمارة محيميد في الوسط، وفي اليمنة حمارة أحمد أبو البنات. وعلى بعد منهم حمار عبدالحفيظ صامتاً ، يحرك حبات مسبحته ، وقد وضع عنان الحمار على حافة السرج، وتركه يمشي على هواه. قال سعيد عشا البايتات :
(المال كتير أحمد الله ، وعربية الجب إن كنت عاوزها ماها مشكلة. لكن علي اليمين الإنسان مهما كان ، إذا ما شد

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(27)ـ


للسوق فوق حمار عديل زي ده ، وخت فوقه السرج السناري والفروة المرعز ، وربط البطان وشكا له اللجام ، واتحكر قعد ، والحمار يمشي رب رب ، زي كأنه سردار ولا حكمدار ، والحمار يهنق ها ها فوق الحلال .... عليه أمان الله الراجل إن ما سوى جنس دا ما يقولوا عليه راجل أخو بنات).
قال الطاهر :
(عشا السجم أتاريه عنده فهم).
وقال أحمد :
(وين يلقى الفهم؟ حتى إن بقى اشترى له بابور بحر يا هو سجمه ورماده).
تجاهل عشا البايتات كل هذا ، ونظر إلى الحمارة وقال بإعجاب :
(الحمارة دي طفيانة بالحيل. الداهية تقول أيل انحلا).
تعثرت الحمارة وكادت تقع ، وقال أحمد مذعوراً ، بين الجد والضحك :

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(28)ـ


(الله لا أداك حسنة . ما عارفك، عينك حارة زي نار جهنم. سحرت البهيمة).
قال عشا البايتات :
(إذا عاوز تلبيها هسع اشتريها منك).
قال سعيد القانوني :
(انت حمارك الراكبه ده شن عيبه؟ إذا كان القروش غلبتك ما تشوف لك مرة تعرسها).
قال ود الرواس :
(عشا البايتات بعد دا ماليه عرس. أحسن له يمشي يحج).
وقال أحمد :
(ويبقى اسمه شنو ؟ حاج عشا البايتات؟).
قال الطاهر :
(عشا البايتات شنو كما مع الحج؟ يبقى اسمه حاج سعيد).


#####@@@@@#####
الصفحة ـ(29)ـ


ضحك سعيد عشا البايتات القوي ضحكة طويلة ، تخفي تحتها كلاماً كثيراً. ومن عجب أن عبدالحفيظ أيضاً خرج عن عزلته وصمته ، فضحك ضحكة قصيرة ضحلة ، جعلت محيميد يدرك بغتة كمن يتذكر ، أن عبدالحفيظ موجود معهم. بعد ذلك انقطع حبل الحديث، لأن شيئاً ما في انعكاس الضوء على سطح ماء النهر ، جعل محيميد يلتفت إلى الوراء ، أدار عنان حمارته واستقبل مشرق الشمس. بانت له من ذلك البعد كأنها على هضبة ، بلا أول ولا آخر ، مكشوفة كإنسان ينام في العراء بلا غطاء. الضفة الشمالية صفراء تتوهج تحت شمس الضحى، ثم النهر، يختفي ويبين ، كالسراب ، كالبرق. أشجار السنط والطلح تتشبث بالماء ، تليها حقول القمح، وحين يستقر النظر على غابات النخل في الوسط، تفاجئه فورة الحياة فيها. حقول أخرى تمتد حتى أسفل البيوت ، بعدها رمال وصحراء لا تنتهي. بانت له معلقة في فراغ ، تدنو فإذا هي على مد الذراع ، ثم تعدو مبتعدة عنه كأنها حلم عسير المنال. هنالك في وضح النهار سمع أصواتهم ، ورآهم مرأى العيان. تنادوا به من ناحية النهر والصحراء، من الشرق والغرب. رآهم يخرجون من الماء ، ويتسللون بين فرع

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(30)ـ


الشجر، ويقفزون فوق هامات النخل ورؤوس البيوت ، وينطون كأنهم يرقصون فوق القباب ويذوبون في شعاع الشمس. الوقت ليس هذا ولا ذاك، ولكن الشروق كالمغيب ، يصيران ، ويتكرران في كل ومضة عين. نظر بلا فزع ولا دهشة ، ثم بوعي تام جذب عنان حمارته وأدار ظهره للشمس.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(31)ـ


الطاهر ود الرواس


مال الطاهر ود الرواس نحوي دون أن يحول وجهه عن النهر ، ولكن سؤالي ظهل معلقاً في الهواء بين النهر والسماء. كان وجهه واضح المعالم يلمع وسط ذلك الظلام ، كأنه الضوء ينبع من داخله.
فجأة صرخ :
(بت الكلب ، الليلة وقعت معاي) !
قلت له :
(كيف عرفت أنها أنثى؟).
قال :
(حتى في الحوت ، المره مره ، والراجل راجل).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(32)ـ


كنت أعمى في تلك العتمة ، ولكن الطاهر ود الرواس كان يسمع ويرى. قال :
(أصلها عندها تار معاي. قبل خمسين سنة واحدة من حبوباتها قلبت بي المركب . وقت وقعت في الموية بقت تجرني من سروالي لي تحت).
(وانت شن سويت؟).
(خليت لها السروال ومرقت من الموية عريان جل).
صوته في تلك الدجنة مفعم بالحياة والمرح كأن السمكة في الماء تتحدث إليه بلغة يفهمها:
(أكثر من ثلاثة شهور وأنا وراها. مرة تقطع الخيط ومرة تاكل الطعم وتشرد. بت الحرام تقول جنية من جنس العفاريت).
كنت أصادفه في رحلاتي عن الفجر ، أحياناً في قاربه في عرض النهر ، وأحياناً في حقله ، وأحياناً على الشاطئ جالساً يرقب صنارته. وكنت قد نسيت عذوبة صوته ، إلى أن سمعته يغني ذلك الصباح غناء كأنه غلالة من الحرير انتشرت بين الضفتين . ومرة لمحته من بعد ساهماً يحدق في الماء.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(33)ـ


ناديته فلم يجب. وبعد زمن أمام دكان سعيد سألته ، ضحك وقال :
(إنت شفتني يومداك؟ حكاية عجيبة والله. تقول صحيح الواحد وقت يكبر يصيبه الوسواس. عليك الله خمسين سنة ما شفت شي. خمسين سنة وأنا أصيد في النيل لا شفت شي ولا سمعت شي. داك الصباح بت الحرام قطعت الجبادة وغطست. شويتين شبت فوق وش الموية. عليك أمان الله زول بني آدم ... بت فتاة عريانة جل ... إني آمنت بالله. وسمع أضاني قالت بي حساً واضح زي كلامي وكلامك يا ود الرواس أخير لك تبعد مني. وقبل ما ألقي الكلام ال أرد به عليها غطست تاني جب في الموية. أنا أخوك يا محجوب. أنا أخو الرجال. قعدت متمحن أعاين للموية).

لو أن سعيد عشا البايتات قال لنا هذا الكلام لضحكنا وقلنا كلام خارم بارم ، ولو حدثنا به أحمد أبوالبنات لقلنا حديث سكر ، ولكن الطاهر ود الرواس طول حياته لم يقل إلا كما رأى وسمع.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(34)ـ


قال الآن ، وكأنه يا دوب سمع السؤال :
(عبدالحفيظ المسكين من يوم بته ماتت اتغير . بقى شكل تاني. زمان كان صاحي وعيونه مفتحة. وحين الله اعلم. إذا كان لقى اليقين في الصلاة برضه زي).
(وانت؟).
(أنا ؟ فاطمة بت جبر الدار طول حياتها تصلي. صلاتها تكفينا نحن الاتنين).
يوما ما سوف أسأله عن قصة زواجه من فاطمة بت جبر الدار ، إحدى أخوات محجوب الأربع. لن يجيبني الآن. فهو مشغول بالسمكة في الماء. يتحدث إليها ويمازحها. وقد نسي تماماً وجودي جنبه. قال لها إنه صاد جدتها منذ أربعين عاماً وصاد عمها منذ ثلاثين عاماً، وصاد عدداً من خالاتها وعماتها ، سألته عن أبويها وأخوتها. قال كمن يصحو من نوم:
(آه . منو ؟ شنو؟)
(الحكاية؟ انت تهت ولا شنو؟)
محيميد ! ني آمنت بالله. صوتك جاني من بعيد خلاص).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(35)ـ


(أمها وأبوها).
(أم منو وأبو منو؟).
(السمكة).
(آه . بنية العقاريت. أمها ساكنة وسط البحر ، هناك جوه، أبداً ما بتطلع ، بس مره مره تشوف حركة الموج فوقها).
(وأبوها؟).
(أبوها أظنه عرس له وحده تانية قبلي).
(والأخوان؟).
(الأخوان والاخوات السافر قبلي والسافر بحري . اختا ليها قلبت كم مركب ورا على بحري).
قلت له بدهشة :
(وهي المقعدا شنو؟).
(العلم عند الله . يمكن منتظره أجلها ... منتظره تاخد تارها مني ... لكن بت الحرام أظن أجلها تم الليلة!).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(36)ـ


الضوء في الشرق على يميننا كأنه ينتظر إشارة من أحد ، وكان النهر يصرخ صراخه الأبدي المكتوم في آذان الشاطئ. الشاطئ لا يفهم ، والنهر لا يستطيع إلا أن يتكلم.
في ذلك الغروب كنا نحن الأربعة نصارع النهر لنصل إلى محجوب . فجأة مادت الأرض تحت أقدامنا وفي لحظة بعثرنا الموج ذات اليسار وذات اليمين. أخذ محجوب يغطس ويقلع ، ونحن الأربعة عبدالحفيظ وحمد ود الريس وسعيد وأنا نحيط به في دائرة نحاول أن نجد ثغرة في الموج لنصل إليه. فجأة لمحت الطاهر ودالرواس يقفز من الشاطئ ، وخيل لي أنه لم يكن يسبح في الماء ، بل كان يطفو على أشعة الشمس الغاربة. انتشل محجوب من الماء ورفعه بيد واحدة حين أفقنا كان الظلام قد استتب له الأمر. محجوب انتبه دفعه واحدة وأخذ ينادي في الظلام ويلعن النهر ويندب صديقه ولكن الطاهر ودالرواس ما لبث أن هل علينا من ناحية اليسار سمعناه يضحك في الظلام. أخذ محجوب يلعن ودالرواس كما كان يلعن النهر . ثم ضحكنا كلنا على محجوب وعلى أنفسنا وعلى لا شيء.
ضحك ودالرواس وحده وقال :

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(37)ـ


(محجوب فارس بر وفي البحر لا حول له ولا قوة) .
ابتسمت بحزن ، فقد طافت الذكرى بنا معاً في آن واحد وكأن تلك الضحكة ظلت حبيسة في صدر ود الرواس كل تلك الأعوام ، كبقايا ثروة ضاعت ، حتى أثارها وجودي إلى جانبه ذلك الفجر.
قلت له أحثه على التذكر . ذات المكان على ذات الشاطئ . رجلان شيخان يرقبان شروقاً كأنه المغيب :
(أما أنت يا ودالرواس ففارس بر وفارس بحر) لكن صمته طال حتى يئست منه ، وشغلتني الأصوات المبهمة التي تنبع من النهر ، كأني أسمعنا من مسافة ألف ميل ، فيها أصداء الأودية الجبلية البعيدة ، والشلالات. وأذعنت زمناً للغط الموجات الصغيرة وهي تعدو بلا كلل من شاطئ إلى شاطئ.
ومن آن لآن كان النهر ، هنالك في القلب ، عند ملتقى التيارات ، يعوي عواءه القديم. وبينما أنا كذلك، إذا بصوت إنسان إلى يميني ، كأنه يخاطب النهر والفجر الذي قرب يطلع :
(الإنسان يا محيميد ... الحياة يا محيميد ما فيها غير

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(38)ـ


حاجتين اتنين .. الصداقة والمحبة . ما تقول لي لا حسب ولا نسب ، لا جاه ولا ماء ... ابن آدم إذا كان ترك الدنيا وعنده ثقة إنسان واحد ، يكون كسبان وأنا ، المولى عز وجل أكرمني بالحيل. أنعم علي بدل النعمة نعمتين ... أداني صداقة محجوب وحب فاطمة بت جبر الدار).
أحسست بحزن ، فقد كنت طوال حياتي ، أعتبر صداقته شرفاً عظيماً لي ، لذلك قلت له برفق :
(وعبدالحفيظ .. وسعيد ... و .... ) .
قال :
(عبدالحفيظ أخوي وسعيد أخوي .. لكين الإنسان .. الأخ ... الصديق ... الراجل اليوزن ألف راجل .. الكلام على القلوب ، جوه جوه .. الحكاية مو الطاهر ودالرواس .. الحكاية الجد حكاية الطاهر ود بلال .. ولد حواء .. العبد).
قال هذا ببساطة ، دون أية مرارة ، ثم أضاف :
(انت كنت بعيد .. تغيب حول وتجي تقعد معانا شهر أو شهرين . من يدري ، من أيام المدرسة وبعدين شغل

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(39)ـ


الحكومة الزول المعاك ماهو مثل الزول البعيد منك، مهما كان).
ثم قال :
(كذابه المره ال تقول ولدت مثل محجوب ود جبر الدار).
صمت بطريقة طبيعية ، كأنه يريد أن يترك هذه الجملة وديعة في ضمر الفجر ، ويريد أن يتأكد أن النهر أيضاً قد أصغى وفهم.
بعد ذلك تشاغل بخيط الصنارة ، يشده ويرخيه. ثم أرسله وأهمله كأن السمكة في الماء لم تعد تهمه ، ثم ضحك فالتفت نحوه ، فإذا وجهه الداكن كقطعة الفحم الحجري ، يلمع كأن عليه وهجاً من أضواء النجوم البعيدة ، ذلك الفجر. ضحك أكثر وقال :
(عبدالحفيظ خل حكايته. قبيل سألتني عن عبدالحفيظ لكين الحكاية أل انت عاوز تسمعها أنا عارفها . يا زول! اشمعنى السنين دي كلها ما سألتني عنها ؟ بس ما كنت قلت لك. عمري ما قعدت مع جنس إنسان وقلت له حصل كيت

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(40)ـ


وكيت. الحكاية ما ها مجهولة. في شي الناس عارفنه، والمو عارفنه راح بي وقته. لكين هسع ... قالوا الكبر يطلق اللسان والحياة شن فضل فيها غير الوسنة. كما أقول لك حاجة .. الزمن دا كله وأنا صاري الحكاية في قلبي عاوز أحكيها لي إنسان ... مو محجوب محجوب عارفها وعرف أكثر منها .. لا . إنسان تاني عنده الرحمة وعند الفهم ، عارف شيء وغابي منه شيء .. إنسان مثلك يا محيميد ... وكما ... انت عندك طبيعة ... تخلي الواحد يقول لك الكلام ال أصله ما قاله لي جنس انسان ... ).
هبت من الشرق هبوب صغيرة دافئة أحدثت جلبة في الماء وبين أغصان الشجر لم تلبث طويلاً حتى هدأت . قال ودالرواس :
(أصله الزمن دا بقى زمن كلام. اذاعات وسنمات وجرانين ومدارس واتحادات وهوسه. يومتها اسمع الاذاعة تلعلع ، العمال الفلاحين الاشتراكية العدالة الاجتماعية زيادة الإنتاج حماية مكاسب الثورة الانتهازية الرجعية .. أي يا خوانا مصيبة شنو الوقعت علينا دي؟ إذا السجم دي تنبح طول اليوم أصله حسها دا ما بيفترش؟ قلت لي حاج سعيد

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(41)ـ


إنت يا حاج العمال والفلاحين ديل بلدهم وين؟ قال لي يا مغفل العمال والفلاحين مو ياهن نحن. أنا أخوك. هسع نحن اسمنا العمال والفلاحين؟ قال لي أيوه. أها وزيادة الإنتاج يعني شنو ؟ قال لي الإنتاج مو ياهو السجم البنسوي فيه دا ، وزيادة الإنتاج يعني تخت السجم فوق الرماد . بعدين حاج سعيد ضحك وقال لي انت ما تمشي تسأل الطريفي ولد بكري يفسر لك الكلام دا كله ، ماك شايفه كل يوم جامع ناس سعيد عشا البايتات يديهم في الدروس والمحاضرات؟).
صمت برهة ثم قال :
(يمكن الحاصل دا زين ، العارف منو؟ وما دام جنس ونستنا دي بقوا يمثلوها في الإذاعات ويسووها في الأفلام ويكتبوها في الكتب أها دحين اتعدل وسمع وسجل يا محيميد . العارف منو ؟ يمكن تبقى عبرة لمن اعتبر).
وكذلك مضى الطاهر ودالرواس ينسج من خيوط الفجر الزاحف نحونا نسيج قصة حياته. كان صوته ينخفض ويعلو ، وأحياناً تهب الريح قوية فتغرق كلماته وكان يخيل لي أحياناً أن عناصر الطبيعة كلها تصمت وترهف السمع لما يقول.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(42)ـ


ألهاني حديثه عن مراقبة الفجر ولم أنتبه حتى كان ضوء الشروق قد لامس النخل والشجر وسرى على صفحة الماء . وقال ود الرواس :
(الحمد لله . الحمد لله) .
ثم قال :
(يا زول. الليلة اتونسنا ونسة كتيرة خلاص. لكين الكلام ودر علينا ملاح الغداء . السمكة بت الحرام شافت انشغالنا بالحديث أكلت الطعم وشردت).
ثم صاح موجهاً كلامه إلى أم السمكة الموهومة في عرض النيل :
(يا ولية هوي ، قولي لي بتك أحسن تبعد مني. المرة الجاية علي اليمين إن طارت وإن قعدت ما تفلت من إيدي).
بعد ذلك قهقه بالضحك وهب واقفاً وقال لي :
(يا خوي قوماك نسدر . بت جبر الدار تكون حضرت شاي الصباح).
وكذلك صعدنا تجاه البيوت ، أنا أتوكأ على عصاي ،

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(43)ـ


عصا الأبنوس ، وهو يخطو أمامي خطواته القوية النشطة ، وبدأ يغني شعراً قد سمعته منه في زمان غير هذا الزمان ومكان غير هذا المكان .
كان اسمه حسن وسماه الناس بلال لأن صوته في الأذان كان جميلاً وفيه لكنة ، ينادي (أشهد ألا إله إلا الاه ، أشهد أن مهمداً رسول الاه ، هي الى السلاة ، هي الى الفلاه).
قالوا إن الشيخ نصر الله ود حبيب هو الذي أعطاه الإسم لما سمع من صوته ، وعلمه الآذان وجعله مؤذناً. وكان يقول له (طوبى لمن شهد صلاة الفجر في المسجد على صوتك يا بلال ، فوالله إن صوتك ليس من هذه الدنيا ولكنه نزل من السماء).
وأحياناً كانوا ينادونه (هلا هلا ولد لا اله إلا الله). أما (هلا هلا) فأنها كانت العبارة الوحيدة التي يفوه بها إذا خوطب ، وأما لا إله إلا الله) فلأنه كان حين يسأل عن أبيه يجيب (أنا ولد لا إله إلا الله).
يحكي الذين رأوه أنه كان جميل الوجه حسن الصورة ، متناسق الأعضاء ، ليس بالطويل ولا بالقصير ، لونه يتوهج

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(44)ـ


كلون المسك ، لا تستطيع أن تطيل فيه النظر لجمال صورته. كان كثير السكينة ، وقور السمات ، نبيل الملامح والحركة ، كأنه من سلالة ملوك قدماء ، إذا وقف كأنما تقف معه حاشية غير مرئية ، وإذا جلس ، جلس القرفصاء ، ويسكن حتى كأنه يذوب فيما حوله. وحدثوا أنه كان يمشي منصباً على الأرض بكامل جسمه ، قليل الكلام ، إذا قام أو قعد يظل يطرق إلى الأرض ، ولسانه لا يني عن ذكر الله والصلاة على نبيه. كان الشيخ نصر الله ود حبيب ، وهو على علو قدره وعظم شأنه ، يقوم له إذا دخل ، ويوده. ويقسم عليه أن يجلس إلى جانبه ، ويقدمه إذا خرج. قالوا إن هذا الاحترام من ذلك الشيخ الجليل كان يبكي بلال فيقول للشيخ :
(يا مولاي هذا لا عبور من متلك على متلي. أنا عبدك وأنت سيدي في شأن الله).
فيقول له الشيخ :
(يا بلال. انت عبدالله كما أنا عبدالله. نحن أخوة في شأن الله. أنا وأنت مثل ذرات الغبار في ملكوت الله عز وجل. ويوم لا يجزي والد عن ولد يمكن انت كفتك ترجح كفتي في ميزان الحق جل جلاله. كفتي أنا أرجح من كفتك

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(45)ـ


في موازين أهل الدنيا ولكن كفتك يا بلال سوف ترجح كفتي في ميزان العدل. أنا أجري جري الإبل العطاش يا بلال لكي أحظى بقطرة من كأس الحضرة ، وانت شربت إلى أن ارتويت يا بلال. انت سمعت ورأيت ، انت عبرت وعديت ، ولما ناداك الصوت قلت نعم . قلت نعم ، قلت نعم.
يبكي الشيخ حتى تبتل لحيته ، ويقول بلال باكياً :
(لا يا سيدي ، لا يا سيدي. انت شيخي وقطبي ومولاي وسيدي ، وأنا عبدك ومملوكك في شأن الله).
يروي الذي حضروا زمانه أنه كان حين يؤذن لصلاة الفجر. تحسن أن الصوت لا يصل إليك من مئذنة الجامع ، ولكنه ينبع من قلبك. كان أمراً عجباً ، فيما حدثوا ، أن يؤذن بلال ها الله ها الله. ويؤم الناس بالصلاة الشيخ ود حبيب نصر الله. كان الجامع يمتلئ كل صباح بالمصلين ، وكل صباح يحضر فوج من المصلين ، غرباء ، لم يرهم الناس من قبل. كانت أبواب السماء مفتوحة في ذلك الزمان كما قالوا ولما ماتا انحسرت ظلال الرحمة ، وأغلقت أبواب الملكوت إلى يومنا هذا.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(46)ـ


يقول الطاهر ود الرواس إن الاسم الوحيد الذي ورثه عن أبيه كان لقباً لم يناده به أحد إلا الكاشف ود رحمة الله. كان ود رحمة الله يقول إن بلال رواس ويسألونه رواس ماذا ، فيجيب (بلال رواس مراكب القدرة). ويقسم أنه رآه عدة مرات بين العشاء والفجر وهو قائم وحده في مركب ينقل قوماً غريبي الهيئة إلى الشاطئ الآخر. ويقول الطاهر إن أباه حين مات أخذ أسماءه جميعاً معه ، كأنه كان بالفعل روحاً مفرداً ليس من أرواح هذا الزمان ولا هذه الأرض.
قالوا إنه مكث حولاً واحد فقط بعد وفاة الشيخ نصر الله ود حبيب ، وأنه توفي مثله في نفس الساعة من نفس اليوم من أيام شهر رجب. كان قد امتنع عن الأذان ودخول الجامع بعد وفاة شيخه واحتجب ، وذات فجر استيقظ الناس على صوته ينادي من على مئذنة الجامع ، صوتاً وصفه الذين سمعوه بأن كان كأنه مجموعة أصوات ، يأتي من أماكن شتى ومن عصور غابرة ، وإن ود حامد ارتعشت لرحابة الصوت ، وأخذت تكبر وتكثر وتعلوا وتتسع ، فأكنها مدينة أخرى في زمان آخر. قام كل واحد منهم من فراشه وتوضأ وسعى إلى منبع الصوت ، كأن النداء عناه وحده في

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(47)ـ


ذلك الفجر . ولما وقفوا للصلاة رأوا بال يلبس كفناً ، وكان الجامع غاصاً بخلق كثير ، من أهل البلد ومن غير أهل البلد. كان أمراً عجباً. كبر للصلاة كما كان يفعل أيام ود حبيب ، ثم وقف ليصلي بهم ، فلم يقف أمامهم حيث كان يقف الشيخ ، بل وقف معهم في وسط الصف الأول ، وهو على تلك الهيئة. قرأ سورة الضحى بصوت فرح فإذا بالآيات نضرة كأنها عناقيد كرم. وبعد الصلاة التفت إليهم بوجه متوهج سعيد وحياهم مودعاً وطلب منهم ألا يحملوه على نعش بل على أكتافهم ، وأن يدفنوه بجوار شيخه نصر الله ود حبيب ، على أن يتركوا بينه وبين الشيخ مسافة تقتضيها أصول الاحترام والتبجيل . بعد ذلك تمدد على الأرض عن المحراب وتشهد واستغفر ، والناس ينظرون في رهبة ودهشة ، ثم رفع يده كأنه يصافح أحداً وأسلم روحه إلى بارئها. وحملوه من موضعه ذلك من الجامع إلى المقبرة ، وقالوا إنه مشى في جنازته خلق كأن الأرض انشقت عنهم. ودفنوه عن الشروق فيما رووا ، وأم بهم الصلاة رجب مهيب لم ير وجهه أحد ولكن أكثرهم قال إنه كان كأنه الشيخ نصر الله ود حبيب. وحدثوا أنه ما من رجل

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(48)ـ


شهد وفاة بلال إلا وقد اشتهى أن تقبض روحه في تلك الساعة ، فقد جعل مذاق الموت في أفواههم كمذاق العسل.
قال الطاهر ود الرواس إن أباه نشأ عبداً هملاً بلا سيد. كل الرقيق كان لهم سادة إلى بلال. ويقال إنه ربما يكون من ذرية رقيق كان لملك حكم ذلك الإقليم في الزمن القديم يدعى (بندر شاه) . وبندر شاه هذا تضاربت فيه الأقاويل. يزعم بعض رواة الأخبار في ود حامد أنه كان ملكاً نصرانياً من ملوك النوبة ، بسط سلطانه قبلي إلى غاية ديار المناصير ، وبحري إلى حدود الريف ، وكانت عاصمة ملكه حيث تقوم ود حامد اليوم. كان ملكاً ذا عزة ومنعة ، جيش الجيوش وبنى مراكب الحرب فوق النيل ، وأقام القلاع والحصون ، وعمر الكنائس وفرض الضرائب على القوافل. ثم لما دخلت جيوش العرب ، اعترض سبيلهم (بندر شاه) هذا ، فهزموه شر هزيمة ومزقوا شمله شر ممزق ، وسبوا نساءه وغنموا أمواله وعبيده. ويقال إن بعض رقيق (بندر شاه) اعتنقوا الاسلام ، وبعضهم تفرقوا في البلاد قبلي وبحري.
وفي رواية أخرى أن ذلك الملك لم يكن نصرانياً ولكنه

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(49)ـ


كان ملكاً وثنياً غزا ذلك الإقليم بجيش عظيم من الجنود السود من أعالى النيل ، وأنهم أقاموا في نواحي ود حامد وما جاورها مملكة سوداء قوية لم تزل تأمر وتنهى حتى حطمها عبدالله جماع إبان صعود نجم مملكة سنار. وقالوا إن إسمه لم يكن (بندر شاه) بل (بانقي) أو (جانقي) ، وإن من بقي من أمواله وجنوده استرقوا لسوادهم بعد أن كانوا سادة أحراراً.
ويرجح بعض المؤرخين أن (بندر شاه) أمير حبشي يدعى (مندرس) هرب بسبب صراعات على الملك أيام الملك (راس تغري) الأكبر ، ومعه نساؤه وعياله وعدد من جنده وعبيده. وأنهم عبروا النيل إلى المتحة ، ثم قطعوا صحراء بيوضة إلى أن وصلوا إلى منعطف النهر حيث تقوم ود حامد الآن ، فوجدوا ربوة عالية تشرف على سهل واسع خصيب ، تحمية أرض صحراء عقبه من الشرق والغرب ، وتلال حجرية من ناحية الجنوب ، والنهر من ناحية الشمال ، فأقاموا هنالك وبنوا بلداً أسموها (دبوراس) أي (الربوة) بلغتهم ، حسبما تروي الأساطير. وقالوا إن هذا الأمير (مندرس) وجد معابد حجرية من عصور غابرة ، فكسرها وبنى من حجارتها قصراً شامخاً على قمة الربوة ، كان آية الجمال والمعمار ، وحصناً حربياً

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(50)ـ


حصيناً ظل يقاوم البلى ردحاً من الزمن. وذكروا أن هذا الأمير بلغ من سطوته أنه أخذ يغير شمالاً وجنوباً في عهود المسيحية المتأخرة وأنه فرض الجزية على أمراء الممالك المجاورة . ثم أنه لما بلغ أشده وعظم شأنه ، جمع جيشاً كبيراً عبر به صحراء بيوضة في خط مستقيم من الغرب إلى الشرق ، وعدى النيل عند بربر ، ثم سار بجيشه محاذياً نهر (الأتبراوي). وظل يواصل السير نحو أرض الحبشة وفي نيته أن ينزع الملك من النجاشي الحاكم. فاستقبلته جيوش النجاشي على الحدود ، فحاربهم وحاربوه أياماً. ثم إنهم حملوا عليه حملة كبيرة فقتلوه ومزقوا جيشه ، فتبدد وذهب ريحه. ومما يذكر أن من بقي منهم ذاب في بقية عناصر السكان ، ويقال إن من بقاياهم قبيلة صغيرة في حدود ود حامد يقال لهم (أولاد ود الحبشي) مشهورون بوسامة رجالهم وجمال نسائهم.
وفي رواية أن (بندر شاه) لم يكن هذا ولا ذلك بل كان رجلاً أبيض اللون وفد على ود حامد من حيث لا يعلم أحد أيام الغراات والهيجات أواخر أيام ملوك سنار ، وكانت ود حامد موجودة ومأهولة ومعروفة باسمها الذي هي عليه الآن ، فأقام فيها وأخذ يعمل في تجارة الرقيق ، فكون من ذلك ثروة

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(51)ـ


واسعة ، وحكوا إنه سخر عبيده في زراعة التمباك ، وهو أمر لم تعرفه البلد من قبل ولم يعرف الناس بعد ذلك أنه ينبت في مثل تلك الأرض. وكان يجلب الرقيق وسن الفيل من أعالي النيل ، ويسافر بذلك كله في قوافل عظيمة إلى بربر وسواكن وبلاد الريف. فجمع من ذلك مالاً ليس له حد ولا عد.
ويؤكد أنصار هذه الرواية أن هذا هو (( بندرشاه)) الذي بنى القصر على قمة الربوة ، وجاء له بعمد الرخام والبلاط المنقوش ، وجعل سقفه من خشب الزان والتيك ، وعمل له سوراً عالياً من الحجر ذا باب من خشب الحراز عرضه مقدار عشرة أذرع. وذكروا أنه كان بتلك الدار نحو من خمسين غرفة تفتح على فناء واسع في الوسط ، وكما كانت بها مرابط خيل ومراحات إبل وحظائر بقر وأغنام ، وأن الدار كانت تسقى من ماء جارية لا تنقطع صيفاً ولا شتاء. وصفة ذلك أن العبيد كانوا يفعون الماء من بئر واسعة إلى خزان كبير للماء معمول على علو شاهق ومنه تنزل الماء في قنوات إلى كافة نواحي القصر. كما وصفوا أن الداخل خان يجد على بوابة القصر حرساً سوداً طوالاً أشداء متمنطقين بالسيوف، يقفون ديدبانات ليلاً ونهاراً. ويعبر الإنسان الفناء الواسع ثم يصعد درجاً فيجد

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(52)ـ


حرساً آخرين واقفين على جانبي باب سميك يدخل منه فإذا قاعة كبيرة مستطيلة الشكل في جانبها الذي يقابل الباب منصة مرتفقة عليها كرسي كبير من خشب أسود له مساند من العاج حيث يضع الجالس يديه ، تنتهي بصورة محفورة على العاج على هيئة أسد رابض . وقالوا إن القاعة كانت تضاء ، بقناديل معلقة في السقف وإنها كانت تعبق ببخور عطر الرائحة متصاعد من مجامر موضوعة في كوى في الجدران. وحدثوا أن أعظم متعة عند بندرشاه هذا ، كان أن يجلس على ذلك العرش كل ليلة بعد أن يكون قد أكل حى شبع وشرب حتى ثمل ، فيأمر بعبيده فيساقون إليه في أغلال الحديد. ويأمر جلاديه فيجلدونهم بسياط غليظة من جلد عجل البحر ، حتى يغمى عليهم وتسيل الدماء من ظهورهم. ثم يأمر بهم فيجرون جراً. ثم يصفق فتدخل القاعة جوارٍ عاريات يرقصن ويغنين ويضربن بالدف والطنبور ، حتى يأخذ منه النعاس ، وما إن يتثاءب حتى تخلو القاعة ويحمله عبيده إلى غرفة نومه.
وذكروا أن بندرشاه قضى زمناً على هذه الصفة يسوم عبيده سوء العذاب ، لا لذنب جنوه ، ولكن متعة وتلذذاَ. حتى كان ذات ليلة ، حين ثاروا ثورة رجل واحد ، وانقضوا عليه فقتلوه،

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(53)ـ


ثم قطعوه قطعاً ومروا لحمه في بئر القصر ، وأحرقوا القصر بما فيه ، وفروا كلهم تحت جنح الليل ولم يتخلف إلا غلام صغير أو رجل كبير أو امرأة طعنت في السن. ويذكرون أن القصر بقي حتى بعد أن حرقه العبيد أبداً طويلاً على هيئته التي كان عليها إلى أن رآه الأمير يوسف ود الدكيم الذي حكم ذلك الإقليم أيام المهدية. ولما رآه وقف عنده وتعجب لمنظره وسأل أهل البلد عمن بناه فذكروا له روايات متضاربة. ظل يحدق في البناء الشامخ وهو يدد (( الله قادر .. الله قادر)) ثم قال (( البناء دا ما بناه ابن آدم . دا عمل شياطين)). ثم أمر جنوده فهدموا ما بقي منه وسووا به الأرض ، ولم يبق منه اليوم إلا قحوف حجارة وشظايا آنية مدفونة في أكوام التراب العالية المكومة هناك فوق القلعة.
أما إبراهيم ود طه ، وهو رواية ثقة في تاريخ ود حامد ، فيؤكد أن بلالاً ليس من عبيد ملك نصراني. ولا أمير حبشي ولا ملك وثني ولا غير ذلك. وإنما سيده شخص يعرفه كل أحد ، ليس مجهول الحسب ولا مطعون النسب، وهو عيسى ود ضو البيت . ومعروف أن ضو البيت أبا عيسى كان رجلاً من الأشراف . وفد على ود حامد من الحجاز وتوطن فيها،

ونواصل ...



ودحيدوب




عدل سابقا من قبل أحمد حيدوب في الإثنين 30 يناير 2017 - 14:39 عدل 1 مرات





avatar
أحمد حيدوب
Admin

عدد المساهمات : 1624
تاريخ التسجيل : 06/04/2008
العمر : 49
الموقع : مكة المكرمة ـ السعودية

http://abudeleig.montadalhilal.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: نص كامل مكتوب للمجموعة القصصية (بندر شاه ـ مريود) ـ الطيب صالح

مُساهمة من طرف أحمد حيدوب في الإثنين 30 يناير 2017 - 14:34




#####@@@@@#####
الصفحة ـ(54)ـ


تزوج فاطمة بنت جبر الدار الأولى ، ومن قبيلة الحوامدة أصحاب الأصل والفصل ، سادة ود حامد الذين سميت البلد باسمهم ، وهي غير ود حامد الأخرى ، في الصعيد الموجودة قرب مدينة شندي. ويقول إبراهيم ود طه إن ((بندرشاه)) كان لقباً عُرف به عيسى ود ضو البيت في صباه ، وهو من نوع مزاح الصبيان ، أطلقه عليه ابن خالته حمد ود عبدالخالق ود حمد المعروف بولد حليمة.
ويوضح إبراهيم ود طه أن جبر الدار حفيد حامد الأكبر صاحب الإسم ، أنجب وداً واحداً هو رجب الذي سار عليه لقب ((الله لينا)) لجبنه ، وأنجب أربع بنات كل واحدة منهن توازي مائة رجل ، حليمة ومريم وميمونة وفاطمة. أما حليمة فقد تزوجها عبدالخالق ود حمد ذاك ، وأما مريم فقد تزوجها الشيخ محمود ود أحمد ود حامد إبن عم جبر الدار ، وكان زعيم البلد في زمانه ، وأما ميمونة فقد تزوجها حسب الرسول ود مختار ولد حسب الرسول الملقب بالخمجان وكان فارس فرسان ونزال ضيفان . وأما فاطمة وكانت صغراهن وأنجبهن ، فقد تزوجها ضو البيت وأولدها وداً واحداً هو عيسى ولد ضو البيت .. وقد مات أبوه وهو في بطن أمه ، وترك له مالاً كثيراً.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(55)ـ


وكانت أمه تدلله في صغيره وتلبسه الثياب الزاهية الغالية التي لم يعرفها أهل البلد . لذلك كان الصبيان يتندرون عليه فسموه اسماً غريباً لم يلازمه طويلاً إذ نسيه الناس مع مرور الأيام. وفاطمة هذه هي أم ((أولاد ضو)) وهم فرع من قبيلة الحوامدة.
ويروي إبراهيم ود طه أن عيسى ود ضو البيت تزوج إبنة خاله رجب ، فأولدها أحد عشر ابناً ذكراً ، تلد له ولداً كل عامين، بانتظام وبلا تقديم أو تأخير ، وإنها ظلت تلد حتى بعد أن تزوج أبناؤها ، وكان يتفق أحياناً أن تكون هي نفساء وإلى جانبها زوجة إبن لها نفساء أيضاً. وظلت هكذا إلى أن ماتت وهي لم تبلغ بعد الأربعين.
ويؤكد إبراهيم ود طه أن بلالاً هو الإبن الثاني عشر لعيسى ود ضو البيت من جارية له سوداء جميلة ذكية كان يحبها ويؤثرها. ولكنه لم يلحقه بنسبه ، ولما مات ، خجل إخوته أن يسترقوه ، ولكنهم استكبروا أن يعاملوه معاملة الحر ويشركوه في ميراث أبيه. لذلك نشأ بلال لا هو حر يقال له ابن فلا ولا عبد يقال له عبد فلان. وكان هو في خاصة نفسه ، إنساناً عجيباً جميل الهيئة ، جميل الطباع ، متعففاً ورعاً ، أخلاقه أخلاق سادة أماجد . ومن عجب أنه شب كأنه

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(56)ـ


نزل فجأة من السماء ، أو انشقت عنه الأرض ، أو أنه طلع من النيل ، شخصاً كامل الهيئة والتكوين ، فلا إنسان من أهل البلد يذكره طفلاً ولا أحد يعلم من رباه ، ولا أحد يقول لك رأيت بلالاً أو سمعت بلالاً إلى أن ظهر فجأة وهو فتى يافع ، يلازم الشيخ نصر الله ود حبيب ويقوم على خدمته. انتبه أهل البلد فجأة إلى هذا الإنسان البديع الذي يخلب جماله القلب ، ويفتت صوته الصخر ويلين الحديد ، وكان حين ينادي مع الفجر بصوته الأعجم (( أشهد ألا إله إلا الله أشهد أن مهمداً رسول الله)) تحس كأن ود حامد كلها ، بإنسها وحيوانها وشجرها وحجارتها ، ورملها وطينها ، من أسفلها إلى أعلاها ، من برها إلى بحرها ، قد اهتزت وارتجت وأصابتها قشعريرة.
لم يكن دعاؤه دعاء إلى الصلاة ، وإنما كان دعاء الحياة منذ عهد آدم ، ودعاء الموت منذ كان جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل. كان يؤذن للصلوات الخمس كل يوم ، لم يتخلف يوماً واحداً ، إلى أن مات الشيخ نصر الله ود حبيب ، فانقطع عن الآذان ، واحتجب واختفى عن العيان ، حتى كان آذانه المشهود يوم وفاته. وكان يختم آذان العشاء والفجر دوماً بقوله (( البدار البدار يا قوم . يا قوم ، المركب رمت . البحر غريق.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(57)ـ


أهل الله مسكوا الطريق . دا زمان صاحب الزمان . سلطان العصر دا زمان نصرالله ود حبيب . دا زمان نصرالله ود حبيب)).
وذكروا أن أول عهد بمصاحبة الشيخ نصر الله ود حبيب كان وهو فتى يافع فوق الخامسة عشرة ودون العشرين. ربما كان يضرب بعيداً في الخلاء يتقنت ويتعبد ، الله وحده يعلم ، لأنه كان غير واضح في البلد ، كأنه ليس موجوداً فيه بالمرة.
وذات يوم والقوم في حلقة الشيخ نصرالله ود حبيب ، بعد صلاة الفجر وكانت تلك من عوائده ، بعد أن يفرغ من صلاة الفجر والعشاء ، يمكث مقدار ساعة يرشد الناس ، ويسألونه ويجيبهم ، قالوا إنه فجأة صمت مدة وتغير وجهه ثم صاح بأعلى صوته (( إلينا يا بلال ، إلينا يا بلال)).
لم يفهم القوم ما يريد الشيخ وقالوا له :
(( على مين تنادي يا شيخنا)).
أجابهم بصوت مختلف :
((بلال الخير . بلال الخير . بلال الخير)).
يردد الاسم هكذا ثلاث مرات.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(58)ـ


أيضاً لم يفهموا ، وصمتوا يفكرون برهة . وفجأة قال أحدهم ، كأنما نزل عليه وحي :
(( الشيخ يقصد حسن)).
ولما استوضحوا القائل أي حسن يعني ، احتار كيف يصفه . ثم كأنما انجلت لهم الحقيقة كلهم في آن واحد فصاحوا جميعاً : (( حسن هاالله هاالله ... العبد)).
حينئذن خاطبهم الشيخ نصر الله ود حبيب ، وهو في ما يشبه الغيبة :
(( بلال ليس عبداً لأحد . بلال عبد الله . ود الله لو علمتم من أمره ما أعلم لانصدعت قلوبكم خشية ولأصابكم الجزع والبلبلة. إنه رأى وسمع ورمى إلى درجات تتقطع دونها القلوب حسرة. والله إن بلالاً لو سأل الله لأبرَّه ولو طلب من الحق جل وعلا أن يخسف بكم الأرض لفعل)).
قال الشيخ هذا بصوت أصاب سامعيه بالهلع ثم أخذ ينادي من جديد :
(( إلينا يا بلال . إلينا يا بلال )).
أقسموا أنه ما أن فرغ الشيخ نصر الله ود حبيب من

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(59)ـ


ندائه ، حتى سمعوا صوتاً يصيح عند باب المسجد :
(( لبيك .. لبيك )).
ودخل ، وعليه غبار سفر بعيد ، حول رقبته مسبحة طويلة من اللالوب وفي يده ركوة جلد ، فانكب على قدمي الشيخ يقبلها وهو يردد باكياً (( لبيك . لبيك)). أنهضه الشيخ وعانقه وقبله على خديه وبين عينيه ، وقال له ، وعيناه تدمعان : (( لماذا يا أخي تبعد عني هذا البعاد؟ أما كفاك وكفاني؟ ترفق بنفسك يا حبيبي فإنك قد تبوأت رتبة قل من وصل إليها من الحبين الخاشعين ، وإنني أركض فلا أكاد ألحق بغبارك)).
قالوا ، وبكى بلال حتى كادت روحه تزهق ، وهو يردد : (( يا سيدي لا تقل هذا الكلام . أنت القطب . أنت صاحب الزمان وأنا عبدك ومملوكك)).
قالوا ، وأراد الشيخ أن يجعله منه بمقام الأخ فأبى البتة وحلف ألا يكون له إلى بمقام المملوك من سيده . فأذعن الشيخ ، ونفسه تأبى ذلك ، فكان بلال يقوم على خدمة الشيخ نصر الله ود حبيب بالليل والنهار ، يملأ له ركوة صلاته ، ويحضر له طعامه ، وإذا مشى الشيخ في الحر ، يحمل فوق

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(60)ـ


رأسه مظلة خضراء كبيرة ، وإذا ركب الشيخ لأمر ، وقلما كان يفعل ذلك ، يصحبه راجلاً ممسكاً بعنان جواده. وكان يأبى أن يجلس في حضرة الشيخ نصر الله ود حبيب ، ولا ترضى نفسه إلا بالوقوف أو يقعد عن مجلسه كأنه كلب أمين. وكان الشيخ نصر الله ود حبيب يرى منه ذلك ، فيقول له :
(( يا بلال ، يا بلال ، لماذا تريد أن تهيننا بإذلالك لنفسك؟))
قالوا ، وكان الشيخ نصر الله ود حبيب قطب زمانه بلا نزاع . كان الناس يقصدونه من أطراف الأرض ، طلباً لعلمه وتبركاً بصحبته ، يجيئونه في قوافل من ديار المغرب وتونس ومصر والشام وبلاد الهوسة والفلاني ، يحملون إليه الهدايا النفيسة فيفرقها على الناس في مجلسه ولا يدخل داره منها شيئاً . ولما ظهر الإمام محمد أحمد المهدي كتب إليه يدعوه إلى مبايعته ، فكتب إليه الشيخ نصر الله ود حبيب يقول :
(( أما فإنا لا نصدع ، إلا لأمر الملك الواحد الأحد . فإن كنت مهدياً فالله العلي القدير يزيدك هدى فهو صاحب العزة يختار من عباده من يشاء ، فامض على كتاب الله وسنة نبيه فإن لن تضل مع ذلك باسم الملك القدوس الرحمن

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(61)ـ


الرحيم ، يهدي من يشاء ويضل من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عمن يشاء)) . ورووا أنه لم يكن يخوض في أمر المهدي ، لا بتأييد ولا بإنكار ، وترك أصحابه لا يرد أحداً منهم أراد أن يلحق بصاحب تلك الدعوة ، فلم يذهب منهم إلا نفر قليل . ولما آل الأمر إلى الخليفة عبدالله التعايشي أرسل إليه يأمره أن يقدم عليه في أم درمان ، فرد عليه بغليظ القول مما أغضب الخليفة ، فأراد أن يسير إليه من عسكره من يمسكونه ويحملونه صاغراً إلى الخليفة. ولكنه أحبط في يد الخليفة لم يفعل شيئاً مما عزم عليه. وذكروا أن الشيخ نصر الله ود حبيب كان يقول ، وهو يعني الخليفة عبدالله التعايشي.
(( والله والله الذي لا إله غيره ، إن أمراء المسلمين ، إذا أخذ منهم الإغترار ، وتزينت لهم الدنيا وهي دار البوار وأعجبتهم حالهم وكثرة أنصارهم سكروا بكأس السلطان وبدا لهم أنهم أقوياء مخلدون في محابسهم ، ضربهم الله بصولجان عزته ، وقصم ظهورهم ، بسيف نقمته ، وسلط عليهم سيوف أهل الكفر ، ومكن منهم أعدائهم ، وأخرج لهم من مكامن جحورهم من يكيدون لهم ويغالبونهم حتى يذهب الغالب

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(62)ـ


والمغلوب ، والطالب والمطلوب ، فينقلبون وكأنهم أعجاز نخل خاوية ، أو كهباء ذرته الريح في يوم صفصف كما فعل الله بقوم عاد وثمود ، فالبدار البدار)).
قالوا ، وكانت في ود حامد امرأة صاعقة الحسن تدعى حواء بنت العريبي ، هبطت من ديار الكبابيش مع أبويها في سنوات قحط وجدب. فماتا عنها ، وبقيت وحدها ، تمشط وتغزل وتعمل في دور الميسورين في البلد. ووصفوا أن وجهها كان كفلق الصبح ، وشعرها أسود كالليل مسدل فوق ظهرها إلى عجيزتها ، وأنها كانت فرعاء لفَّاء ، طويلة رموش العينين ، أسيلة الخدين، كأن في فمها مشتار عسل، وأنها كانت مع ذلك شديدة الذكاء، قوية العين، مهذارة، حلوة الحديث، متبرجة، في حديثها شيء من تفحش وتغنج. فأرادها الكثيرون. ومنهم بعض عراة أهل البلد، فتمنعت واعتصمت ولم تقبل منهم طالب حلال أو حرام.
قالوا، ولم يعلق قلب حواء هذه من دون الناس جميعاً إلا ببلال، فكانت تعرض له وهو في صلاته وعبادته، فلا يرد عليها ولا يجاوبها. وظن الناس أول الأمر، أنها إنما تعبث به، ثم تيقنوا أنها، ويا للعجب، قد قامت به هياماً كاد يذهبها

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(63)ـ


عن نفسها. ولما أعيتها الحيلة ذهبت إلى الشيخ نصر الله ود حبيب، وشكت له وتذللت وتفرعت، فأشار على بلال يتزوجها. فقال له:
(( يا سيدي روحي فداك. لكن لا تخفى عليك خافية من أحوال عبدك المسكين. أنا ماشي في دروب أهل الحضرة، وأنت تأمرني بأفعال أهل الدنيا)).
فقال له الشيخ :
(( يا بلال. إن دروب الوصول مثل الصعود في مسالك الجبال الوعرة. مشيئة الحق غامضة. يا بلال، إن حب بعض العباد من حب الله، وهذه المسكينة تحبك حباً لا أجده من جنس حب أهل الدنيا، فعسى الحق أن يكون أرسلها إليك لأمر أراده. عساه جلت مشيئته أراد لك أن تختبر مقدار حبك بميزان حب هذه المسكينة لك فإما صحوت وانقطع سبيلك وإما ازددت ظمأ إلى كأس الحب السرمدي ويكون سبحانه وتعلى قد أنفذ مشيئته بإذلالك في إرادته القصوى)).
فصدع بلال لأمر شيخه وتزوج حواء.
قالوا، ولم يجتمع بها إلا ليلة واحدة، بعدها استأذن

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(64)ـ


شيخه أن يسمح له بأن يبرئ ذمته منها، فأذن له. وكانت قد حبلت منه في تلك الليلة، بإبنه الذي سمي الطاهر، وغلب عليه اسم الطاهر ودالرواس. وبعد أن سرحها بلال، أبت أن تدخل على رجل آخر، وانصرفت لتربية إبنها، فكان شأنها في ذلك شأن المتصوفة العاكفين. وذكروا أنها لما رحلت عن الدنيا وهي تناهز السبعين، كانت على أبهى هيئتها وحسنها، ولم ينقص من جمالها مثقال ذرة ولم يغير الزمن منها مقدار شعرة، فكأنها كانت من تصاريفه في حصن حصين.
يقول الطاهر ودالرواس:
(( ما رأيت حباً مثل حب تلك الأم. وما شفت حناناً مثل حنان تلك الأم. ملت قلبي بالمحبة حتى صرت مثل نبع لا ينضب. ويوم الحساب، يوم يقف الخلق بين يدي ذي العزة والجلال، شايلين صلاتهم وزكاتهم وحجهم وصيامهم، وهجودهم وسجودهم، سوف أقول: يا صاحب الجلال والجبروت، عبدك المسكين، الطاهر ودبلال، ولد حواء بنت العريبي ، يقف بين يديك خالي الجراب، مقطع الأسباب، ما عنده شيء يضعه في ميزان عدلك سوى المحبة)).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(65)ـ


نادى سعيد عشا البايتات في ذلك الفجر بصوت كأنه مغناطيس، علق به غبار الأحلام والموؤودة، وكانت هبوب أمشير تردد نداء مريم (( يا مريود. يا مريود. إنت لا أحد. أنت لا شيء يا مريود)).
استقبلتني عند الباب، ورأيتها تختفي وتبين، إلى أن قال الناس ولا الضالين آمين. كان العطر الذي لاحقني كل تلك الأعوام يعبق من أرجاء الكون يذكرني بمريم تعد على أصابع يدها وتقول : (( أحمد. محمد. محمود. حامد. حمد. حمدان....)).
(( الأبناء أكثر من الأسماء يا مريود)).
تضحك وتقول:
((نتمهم عشرة بالبنات)).
دفناها عند المغيب كأننا نغرس نخلة، أو نستودع باطن

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(66)ـ


الأرض سراً عزيزاً سوف تتمخض عنه في المستقبل بشكل من الأشكال. محجوب قبل خدها، وأنا قبلت جبهتها، وكاد الطريفي يهلك من البكاء، وحملناها برفق نحن الستة ووضعناها على حافة القبر. أسمع ذلك الصوت الذي ليس مثله صوت يجيئني من بعيد مثل ناي سحري، في غلالة من أضواء الأقمار في ليالي الصيف، ولمع الشعاع على سعف النخل الندي، ووهج النوار في حدائق البرتقال. تقول وهي تجر عمامتي من رأسي:
(( نسكن البندر. سامع؟ البندر. الموية بالأنابيب والنور بالكهرباء والسفر سكة حديد. فاهم؟ اتمبيلات وتطورات. استباليات ومدارس وحاجات وحاجات. البندر فاهم؟ الله يلعن ود حامد. بحم ورماد. فيها المرض والموت ووجع الراس. أولادنا كلهم يطلعوا أفندية. فاهم؟ زراعة أبداً. وحياة محجوب أخوي زراعة ما نزرعها أبداً)).
أحسست بها خفيفة بين ذراعي وأنا أنزل بها في القبر. كان نهدها يضغط على صدري ونحن متماسكان في الماء، نغطس ونطفو، وغضت طرفها وغضضت طرفي ولم تذهب للمدرسة بعد ذلك، وكان السر قد انكشف. أغيظها بضحكي

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(67)ـ


وأسألها عن أعمال أولادنا، فتفكر بحزم وتقول وهي تعد على أصابع يدها:
((أحمد يطلع مدير)).
((مدير شنو؟)).
((مدير أي حاجة)).
((ما شاء الله. ومحمد؟)).
((محمد يطلع محامي)).
((عجايب. ما أخير قاضي يا مريوم؟)).
((محامي عشان يدافع عن المظلومين. القاضي قالوا يدخل النار)).
((زين. ومحمود؟)).
((محمود ... محمود ... محمود يطلع حكيم)).
((سجم خشمك. وحامد؟)).
((حامد كمان يطلع حكيم)).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(68)ـ


((ها الله ها الله. بقيتي أم الحكماء. والخامس اسمه مين .. يطلع شنو؟))
((حمد . حمد يطلع مهندس)).
((مهندس؟ الله أكبر. والسادس؟)).
((حمدان يطلع ناظر)).
((ناظر محطة؟)).
((ناظر مدرسة)).
((متل مدرسة ود حامد؟)).
((ود حامد إن شاء الله تغطس في الأرض. مدرسة كبيرة من الحجر والطوب الأحمر وسط الجناين)).
((وبقية العشرة الكرام؟)).
((الباقين إذا طلعوا أولاد أو بنات يكونوا كلهم معلمين أو حكماء)).
((البنات كمان؟)).
((ليه لا؟)).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(69)ـ


((طيب ومتين تولدي الأمة دي كلها؟ وقت يصل عاشر واحد يكون عمرك خمسين سنة)).
((أبداً. عشرين بالكتير إذا بدينا السنة الجاية)).
((نتزوج السنة الجاية؟)).
((ليه لا؟)).
أضحك وأتقلب في الرمل من شدة الضحك، فلم أكن قد بلغت الثالثة عشرة بعد، وكانت مريم دون العاشرة. تضربني على صدري وظهري بكلتها قبضتيها وتجر عمامتي وثوبي، وتغضب حقيقة.
أجلس وأقول لها بجد متصنع وأنا أعد على أصابع يدها :
(( أسمعي يا غشيمة. أولادنا يطلعوا زي كده. أحمد زراع، محمد زراع، حمد يطلع شيخ الصعاليك. حامد يطلع مداح، يمدح الرسول متل حاج الماحي زمان وأحمد ود سعيد اليوم في العفاض)).
تقول مريم بغيظ :

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(70)ـ


((الرسول صلى الله عليه وسلم)).
ثم تزيد، وعيناها العسليتان الواسعتان تلمعان بالغضب:
(( محمد أول زول وبعدين محمود)).
((قبله أو بعده. الحكاية واحدة. كلهم مزارعين)) تقول مريم، وهي مثل نسر يوشك أن ينقض:
((أها وحمدان؟)).
أسكت برهة وأنا أكاد لا أقوى على حبس الضحك، وصدر مريم يصعد ويهبط بالغيظ:
((حمدان عندي ليه وظيفة كبيرة. حمدان يا ست الحسن والجمال، يطلع رئيس .. رئيس .. رئيس الحرامية في المديرية الشمالية)).
تنشب أظافرها في وجهي وتضربني بقبضة يدها الصغيرة، وتعضني، وتركلني برجلها، وأنا أضحك متقلباً الرمل، وهي تصرخ:
((أبداً. أبداً. أبداً)).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(71)ـ


ونحن على تلك الحالة، يجيء محجوب، فأحكي له الحكاية . يقول محجوب:
(( ليش نؤخر الزواج للسنة الجاية؟ باكر على طول نعمل العقد. مريم خلاص استوت للزواج ولا يمكن نخليها تنتظر سنة كمان)).
ونظل نعابثها هكذا حتى تشرد منا باكية.
لكننا كنا أعز إنسانين لديها، أنا قطب أحلامها مستقبلاً في المدينة، ومحجوب أخوها الأحد بين أربع بنات. مريم صغراهن. نظرت إليه وسط الجمع ذلك المساء، وقد لفته أشعة الشمس الغاربة، غاضباً شرساً، كأن الموت خصم أرسلته الحكومة. كان يأمر وينهى بصوت أخرش، وقد أسلم الناس قيادهم إليه. كان زعيماً مطلب السلطان ذلك المساء، كما لن يكون بعد، نشطاً متحفزاً كحيوان مفترس يتأهب للانقضاض في أية لحظة، وسلطان الموت لا يطال. أما أنا فقد كنت حزيناً بشكل آخر. كنت أراها سابحة على موجة تسافر وتعود، والدنيا تبتسم بوجه طفل. عيناها العسليتان تزحمان الوجه، وحاجباها النبيلان ينعقدان فوقهما، وثغرها مثل برق يشيل ويحط. كان الطريفي يبكي حتى كاد يهلك،

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(72)ـ


وأنا أحس في قلبي بفجيعة مثل الفرح. مضوا يحفرون القبر وأنا أرى مريم طفلة دون الرابعة، تقرأ معنا القرآن في خلوة حاج سعد، فعلت ذلك قدرة واقتداراً، لا راد لرغبتها العارمة في فك طلاسم الحروف. تجيء فنطردها فلا تنطرد، فاضطررنا أنا ومحجوب أن نعلمها، فكأننا أطلقنا جناً من قمقم. أخذت تقرأ وتحفظ وتفهم، حتى لحقت بنا وكادت تفوتنا. وصارت تقارعنا الآية بالآية والسورة بالسورة، حتى ضقنا بها ذرعاً. ولما دخلنا المدرسة سعدنا أننا نتعلم أشياء لا تفهمها، ونرجع فنقرأ ليها التاريخ والجغرافيا والحساب، نغيظها بذلك. فأخذت تمالئنا وتستعطفنا لنأخذها معنا . قلنا لها :
(( المدرسة للأولاد. مافي بنات في المدرسة )).
قالت وكأنها قد فكرت في الأمر ملياً :
(( يمكن إذا شافوني يقبلوني )).
ضحكت وقلت ليها :
(( وأنت إيه العجيب فيك إذا شافوك يقبلوك؟)).
وأضاف محجوب :

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(73)ـ


(( إنتِ فاكرة نفسك بدر البدور؟ قبيحة ونحيفة زي الجرادة)).
لم تكترث لمعابثتنا وقالت بجد :
(( إذا شافوني أقرأ وأكتب. الحكاية مش قراية وكتابة؟ إيه الفرق بين الولد والبنت؟ )).
قال محجوب :
(( نظام الحكومة كدا. مدرسة للأولاد يعني للأولاد. انت عاوزة الحكومة تعمل لك نظام مخصوص؟)).
قالت :
(( ليه لا؟)).
ضحكنا، لأن تلك كانت عادة مريم، تظن كل شيء ممكنا. بغتة قالت : وعيناها الجميلتان الذكيتان تستشرفان فوق رأسينا إلى بعيد:
(( خلاص. ما دام الحكومة لا تقبل غير الأولاد، أصير ولد )).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(74)ـ


كتمنا دهشتنا واستوضحناها قصدها.
(( يعني أمشي معاكم للمدرسة كأنني ولد )).
محجوب سألها بسخرية :
(( إنتِ تبقي ولد؟ )).
وأنا سألتها بسخرية أشد :
(( إنتِ تبقي ولد؟ )).
قالت وقد تعلقت عيناها الجميلتنا بأفق بعيد، تراه هي ونحن لا نراه :
(( ليه لا؟ ما دامت الحكومة ما تقبل إلا الأولاد. ألبس جلابية وعمة وأمشي معاكم، متلي متلكم. ما في أي إنسان يعرف أي حاجة. إيه الفرق بين الولد والبنت؟ )).
ضحكنا أنا ومحجوب بوسائل شتى؟ سخرية بها، وإغاظة لها, وإعجاباً وحباً. قال لها محجوب :
((عندك أن البنت متل الولد؟ )).
(( ليش لأ؟ )).


#####@@@@@#####
الصفحة ـ(75)ـ


وأنا سألتها :
(( ما في أي فرق؟ )).
قالت :
(( أبداً )).
وقال لها محجوب :
(( الخالق الناطق؟ )).
(( ليش لأ؟ )).
قلت لها :
(( متلي متلك؟ )).
(( إلا ....؟ )).
قلت استحثها :
(( إلا ....؟ )).
قالت :
(( السجم )).
قال محجوب وهو يقهقه ساخراً :

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(76)ـ


(( سجم خشمك )).
لكنها لم تكن خجلة. واجهتنا بغتة، فرأينا أضواء ذلك الأفق البعيد، تتوهج على جبهتها وحول عينيها. نظرنا بعضنا إلى بعض كالمسحورين، وقلنا أنا ومحجوب بصوت واحد، وقد بدأ ذلك الأفق البعيد يتراءى لنا نحن أيضاً :
(( صحيح. ليش لأ؟ )).
خلت أصواتنا من السخرية واتخذت نرات فيها رهبة.
قال محجوب :
(( أصل الفصول في المدرسة ناقصة ...)).
وأنا قلت :
(( والناظر كل يوم على حماره قبلي وبحري يترجى الناس يجيبوا أولادهم للمدرسة ..)).
وقالت مريم :
(( وأنا طول اليوم ما عندي شغل، أدخل بيت وأمرق من بيت )).
وقال محجوب :

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(77)ـ


(( مريم فالحة )).
وأنا قلت :
(( وعندها رغبة )).
ومريم قالت :
(( وخسارة ما ... )).
قلنا نحن الثلاثة بصوت واحد، كأننا جوقة تنشد لفجر أخذ يطلع:
(( صحيح ليش لا؟ )).
قالت في ذلك الضحى، ولم أكن أعلم حينئذ أن الحبل الذي بيني وبينها سوف ينقطع وشيكاً وإلى الأبد :
(( خلاص الزواج الليلة. لكين أنا لسع ما حضرت حالي )).
محجوب يفهم، ولكنني أدرك فوراً ما تعني. قلت لها :
(( إن شاء الله كل شيء يتم بخير. ما تشفقي أبداً )).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(78)ـ


لم تكن بها علة، ولم تلزم فراشها غير يوم واحد، كأنها قررت أن ترحل فجأة. كأن كل الذي حدث لم يحدث. هو على يمينها وأنا على يسارها، وحدنا معها، كما أرادت. كانت خضلة مثل عروس، ليس بها شيء، سوى بعض حبات العرق على جبهتها. كانت وجهها متألق وعيناها تتلامعنا مثل البروق. نظرت إلي وكأنها لا تعرفني ثم قالت وهي تنظر إلى محجوب :
(( بس مريود لسع ما وصل. كيف يحصل الزواج ومريود لسع ما رجع من السفر؟ )).
حينئذ فهم محجوب، فأجهش بالبكاء. قال لها وهو يبكي. قال لها وهو يبكي :
(( مريود وصل. كل شيء حاضر للزواج )).
قالت بفرح :
(( رجع؟ متين؟ )).
قلت لها :
(( أنا مريود يا مريوم. طبعاً العقد يتم الليلة. كل شيء جاهز )).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(79)ـ


تمنعت في وجهي، وبان الغضب في عينيها، وعادت كما أذكرها منذ أربعين عاماً ويزيد :
(( انت ما مريود. انت بكري. أبداً ما أتزوج بكري. أبداً. أبداً )).
قال لها محجوب :
(( كيفن ما هو مريود؟ ياهو ذاته ذاته. يا دوب وصل من السفر )).
تفرست في وجهي من جديد، قلت لها :
(( إنت غبيانة ولاَّ شنو يا مريوم؟ )).
قالت بصوت آخر، كأنها شخص آخر:
(( العيون عيون مريود. والخشم خشم مريود. والحس حس مريود. لكين انت ما مريود. مريود أصغر. أبداً انت ما مريود. انت منو؟)).
صمتت قليلاً ، ثم قالت :
(( يمكن انت مريود. انت مريود. زول وما زول. انت لا أي زول ولا أي شيء)). ثم بكت وقالت :

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(80)ـ


(( خسارة. مريود مات. وأنا يزوجوني بكري. أبداً. أحسن أنا كمان أموت ولا أتزوج بكري)).
بعد ذلك غفت وسكتت، فحسبناها قد ذهبت عنا. لكنها استيقظت فجأة ، وكان وجهها وكل ما بها، ونحن وإياها كأن هوادج أحباب أخذت ترحل. قالت:
(( بسراع بسراع. المواعيد جات. الوقت قرب. خلاص أنا بقيت للسفر. أحسن نتوادع من هسَّع. مع السلامة. مع السلامة. أبقوا عشرة على رقبتكم. والوليدات ... )).
محجوب قبل خدها وهو يغالب الدموع فتغلبه. وانحنيت عليها وقبلت جبهتها، فتشبثت بي وطوقتني بذراعيها، فأحسست بها مثل سر عزيز ، مثل شيء عسير مستحيل. ذلك العطر . ذلك الشباب. ذلك الحلم. دارت عجلة الزمان القهقري، حتى توقفت عند ليلة صيف قمراء، ليست من ليالي هذا الزمان ولا هذه الأرض. وسمعت حس بكائي كأن أحداً غيري يبكي الدموع التي ظلت حبيسة كل تلك الأعوام. هذه حصتي من كل شيء. هذا نصيبي وإرثي. مات عنها وتركها لي لتموت على صدري. لعلني لهذا عدت.

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(81)ـ


كانت مثل طائر. رفعها محجوب من نعشها فشهق ضوء المصابيح على حافة القبر، وسمعت هبوب أمشير تناديني بلسان مريم (( لا شيء. لا أحد)). خطا بها نحو القبر، فاعترضت طريقه ومددت يدي. نظر إلي برهة، ورأيت عينيه ترقان وتغرورقان، فتركها لي. كانت خفيفة مثل فرخ طائر وأنا أسير بها في طريق طويل يمتد من بلد إلى بلد ومن سهل إلى جبل. لم يكن حلماً. أبداً. كانت مريم نائمة على كتفي. سرت بها على ضفة نهر إلى وقت الضحى، فأيقظها لفح الشمس على وجهها. انفلتت مني وقفزت في الماء. كانت عارية. أشحت عنها، ولكنني لم أطق صبراً فأدرت لها وجهي. نظرت، فإذا هي في بركة من الضوء، وكأن أشعة الشمس هجرت كل شيء وتعلقت بجسدها.
كانت تغطس وتقلع، وتختفي هنا وتظهر هناك، وتضحك لي من جهة اليمين، ثم إذا هي تناديني من جهة اليسار. نعم. نعم. نعم. أريد أن أغرق في نبع ذلك الضوء الذي ليس من أضواء هذا الزمان ولا هذه الأرض. لكنني ترددت، ليس أكثر مما يطرف جفن العين. في تلك اللحظة، عاد الشعاع إلى منبعه، وذهب الطيف، لا أعلم إلى أين. ناديت بأعلى

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(82)ـ


صوتي (( يا مريوم. يا مريوم)). فعاد الصدى مجسماً بألسنة شتى (( يا مريود. يا موريد)). ضربت دون هدى في صحراء عقبة تولول ريحها وتتهايل رمالها، حتى بلغ اليأس وأخذ مني الجهد. ثم إذا شجرة طلح يلمع نوارها. تهالكت عندها. فجأة أحسست بمريم. بُعيد العشاء أو قبيل الفجر، لا أعلم. لكنني أذكر ظلاماً رهيفاً وضوءاً ينسكب على وجهي من عينيها. شربت منه حتى بلغ مني الظمأ غايته. قلت لها :
(( ألا أسير معك؟ فإنني الآن أقوى)).
قالت : (( لا. انت تعود أدراجك وأنا أسير من هنا وحدي)).
قلت : ((لكنني ...)).
قالت : (( إنك لن تستطيع معي صبراً. فوراء هذه البيداء جبال. ووراء الجبال بحر. ووراء البحر لاذا ولاذا. النداء لي وحدي. انت تعود وأنا أمضي)).
ثم أخذت رأسي ووضعته في حجرها، وهدهدتني زمناً بصوت كأنه دبيب نمال في تلال رمال، وقالت لي:

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(83)ـ


(( لا تبتئس يا ضوء عيني فإنني لن أبعد. سوف تراني وتسمع صوتي)).
قلت وأنا لست أنا (( هيهات. هيهات)).
حينئذ قبلتني بين عيني، وابتسمت بكل جمال وجهها في وجهي، وقالت:
(( بلى بلى يا رمانة قلبي. إذا احتجتني فادعني فسوف أجيء)).
قلت :
((هيهات. هيهات)).
قالت:
((ولكن عليك أن تصبر وتذعن)).
قلت :
(( إذاً اجعلي لي آية)).
قالت:
(( آيتك ماء. آيتك ماء. ابداً تتلفت خلفك. آيتك أن تظل

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(84)ـ


يقظان إلى آخر العهد. ستراني وسوف اعينك قدر المستطاع)).
(( فلأسر معك خطوات أقدامك)).
قالت :
(( لا يا تفاحة فؤادي. هنا مفترق الطرق وإنه الوداع)).
عصر الحزن قلبي عصراً، ولم أجد الدمع الذي أبرِّ به حر جوفي لأنها سلبتني نعمة البكاء.
قلت لها:
(( إذاً زوديني)).
قالت :
((لا)).
قلت :
((زودني)).
قالت : ((لا)).
قلت :
((زودني)).


#####@@@@@#####
الصفحة ـ(85)ـ


قالت : ((لا)).
قلت :
((زودني)).
(( واحسرتا عليك يا محبوبي. خير الزاد أنا.. إنني مفارقتك من هنا. لا شبع لك من بعدي ولا ري، ولا شفيع ولا نجي. فاضرب حيث شئت، وتزود إن استطعت واطلب النجاء. إلى أن تلقاني فأعطيك المن والسلوى)).
ثم ابعدت. وسمعت صوتها كأنه ينزل من السماء، ويحيط بي من النواحي كافة، تطويه رياح وتنشره رياح:
(( يا مريود. انت لا شيء. انت لا أحد يا مريود. انك اخترت جدَّك وجدُّك اختارك لأنكما أرجح في موازين أهل الدنيا. أبوك أرجح منك ومن جدك في ميزان العدل. لقد أحب بلا ملل، وأعطى بلا أمل، وحسا كما يحسو الطائر، وأقام على سفر، وفارق على عجل. حلم أحلام الضعفاء، وتزود من زاد الفقراء، وراودته نفسه على المجد فزجرها، ولما نادته الحياة .. لما نادته الحياة ....)).

#####@@@@@#####
الصفحة ـ(86)ـ


قلت نعم. قلت نعم. قلت نعم. ولكن طريق العودة كان أشق لأنني كنت قد مشيت.



تمت حمد الله ،،، إلى أن أراكم في رواية جديدة ...
إلى جديد الملتقى ، وكل الأمل أن نكون قد لامسنا أحاسيسكم المرهفة ببعض الإشراقات لمبدعنا المغفور له بإذن الله الأستاذ الأديب الطيب صالح.




ودحيدوب








avatar
أحمد حيدوب
Admin

عدد المساهمات : 1624
تاريخ التسجيل : 06/04/2008
العمر : 49
الموقع : مكة المكرمة ـ السعودية

http://abudeleig.montadalhilal.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى